عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

138

اللباب في علوم الكتاب

وقد انتصر أبو بكر بن الأنباريّ لمذهب الفرّاء بأن قال : « لو كانت « الكاف » توكيدا لوقعت التّثنية والجمع بالتاء ، كما يقعان بها عند عدم « الكاف » ، فلمّا فتحت « التاء » في خطاب الجمع ووقع ميسم الجمع لغيرها كان ذلك دليلا على أن « الكاف » غير توكيد . ألا ترى أن « الكاف » لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة : أرأيت ، فوضح بهذا انصراف الفعل إلى « الكاف » ، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها » . وهذا الذي قاله أبو بكر باطل بالكاف اللاحقة لاسم الإشارة ، فإنها يقع عليها ميسم الجمع ، ومع ذلك هي حرف . وقال الفراء « 1 » : « موضع « الكاف » نصب ، وتأويلها رفع ؛ لأن الفعل يتحوّل عن « التاء » إليها ، وهي بمنزلة « الكاف » في « دونك » إذا أغري بها ، كما تقول : « دونك زيدا » فتجد « الكاف » في اللفظ خفضا ، وفي المعنى رفعا ؛ لأنها مأمورة ، فكذلك هذه « الكاف » موضعها نصب ، وتأويلها رفع » . قال شهاب الدين « 2 » : « وهذه الشّبهة باطلة لما تقدّم ، والخلاف في « دونك » و « إليك » وبابهما مشهور تقدّم التّنبيه عليه مرارا » . وقال الفرّاء أيضا كلاما حسنا [ رأيت أن أذكره فإنه مبين نافع ] « 3 » قال : للعرب في « أرأيت » لغتان ومعنيان : أحدهما : رؤية العين ، فإذا رأيت هذا عدّيت الرؤية بالضمير إلى المخاطب ، ويتصرّف تصرّف سائر الأفعال ، تقول للرجل : « أرأيتك على غير هذه الحال » ، تريد : هل رأيت نفسك ، ثم تثنّي وتجمع فتقول : « أرأيتماكما ، أرأيتموكم ، أرأيتكنّ » . والمعنى الآخر : أن تقول : « أرأيتك » وأنت تريد معنى « أخبرني » ، كقولك : أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل ، أي : أخبرني ، وتترك « التاء » إذا أردت هذا المعنى موحّدة على كل حال تقول : « أرأيتكما ، أرأيتكم ، أرأيتكنّ » ، وإنما تركت العرب « التاء » واحدة ؛ لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعا من المخاطب على نفسه ، فاكتفوا من علامة المخاطب بذكره في المكان ، وتركوا « التاء » على التذكير والتوحيد إذا لم يكن الفعل واقعا ، والرّؤية من الأفعال الناقصة التي يعدّيها المخاطب إلى نفسه بالمكنى مثل : ظننتني ورأيتني ، ولا يقولون ذلك في الأفعال التّامة ، لا يقولون للرجل : قتلتك بمعنى : قتلت نفسك ، ولا أحسنت إليك ، كما يقولون : متى تظنّك خارجا ؟ وذلك أنّهم أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يلغى ، وبين الفعل الذي لا يجوز إلغاؤه ، ألا ترى أنك تقول : « أنا أظنّ خارج » فتلغي « أظن » وقال اللّه تعالى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 7 ] ولم يقل : رأى نفسه .

--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 333 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 58 . ( 3 ) سقط في أ .